أبو الليث السمرقندي
206
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 29 إلى 30 ] قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 29 ) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 30 ) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ يقول : إن تسروا ما في قلوبكم من النكوث ، وولاية الكفار أَوْ تُبْدُوهُ يعني تعلنوه للمؤمنين يَعْلَمْهُ اللَّهُ لأن اللّه عليم وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من عمل ، فليس يخفى عليه شيء وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من السر والعلانية ، والعذاب والمغفرة قدير يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ في الدنيا مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً يعني تجد ثوابه حاضرا ، ولا ينقص من ثواب عمله شيء وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ يعني من شر في الدنيا تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً يعني تتمنى النفس أن تكون بينها ، وبين ذلك العمل أجلا بعيدا ، كما بين المشرق والمغرب ، ولم تعمل ذلك العمل قط ثم قال : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أي عقوبته في عمل السوء وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ قال ابن عباس : يعني بالمؤمنين خاصة ، وهو رحيم بهم . ويقال : رؤوف بالذين يعملون السوء ، حيث لم يعجّل بعقوبتهم . ويقال : ذكر في أول هذه الآية عدله عز وجل في قوله : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ، وفي وسطها تخويف وتهديد وهو قوله وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وفي آخرها ذكر رأفته ورحمته وهو قوله وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 31 إلى 32 ] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 31 ) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ( 32 ) ثم قال : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم دعا كعب بن الأشرف وأصحابه إلى الإسلام ، قالوا : نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، يعني نحن في المنزلة بمنزلة الأبناء ، ولنحن أشدّ حبا للّه . فقال اللّه لنبيه : قل إن كنتم تحبون اللّه تعالى : فَاتَّبِعُونِي على ديني ، فإني رسول اللّه أؤدي رسالته يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ . قال الزجاج : تحبون اللّه ، أي تقصدون طاعته ، فافعلوا ما أمركم اللّه عز وجل ، لأن محبة الإنسان للّه وللرسول طاعته له ، ورضاه بما أمر ، والمحبة من اللّه عفوه عنهم ، وإنعامه عليهم برحمته . وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ويقال : الحب من اللّه عصمته وتوفيقه ، والحب من العباد طاعة كما قال القائل :